صوت شباب شبراملس

صوت شباب شبراملس

منتدى لتبادل افكار الشباب وتطوير ثقافاتهم
 
الرئيسيةاليوميةالبوابةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مؤمن ال فرعون

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
mae_8408
القلم اللامع
القلم اللامع
avatar

عدد المساهمات : 862
نقاط : 1392
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/07/2009
الموقع : mae_8408@yahoo.com
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : بكالريوس تربيه

مُساهمةموضوع: مؤمن ال فرعون   الجمعة سبتمبر 25, 2009 5:24 pm

قصة مؤمن آل فرعون (1)


د. علي بن عمر بادحدح



الخطبة الأولى
أما بعد معاشر المؤمنين
ريُ
الضمان وهداية الحيران، كلها في آيات القرآن، ووقفتنا اليوم مع ضرب من
ضروبه، ولون من ألوان هدايته، مع قصة من قصص القرآن، وقصص القرآن حق في
المضمون، وروعة في الأسلوب، وأصالة في الفكرة وغزارة في العبرة، واستخلاص
من التاريخ، وارتباط بالواقع، فيها حياة القلب ورشد العقل، وتقويم السلوك
وإظهار النهج.
ولعلنا ونحن نعيش في عصرنا هذا كثيراً مما تقع به الحيرة
والاضطراب، ويحل به شيء من الهم والغم، وينزل فيه بنفوسنا بعض الألم
والحزن، مع كثير من خير نرى بشائره وأنواره هنا وهناك، في الفيئة إلى دين
الله، والاستمساك بكتابه، ومعرفة الباطل وشبهاته، فإننا نبقى في هذه
الوقفات اليسيرة مع قصة معبرة، وكل قصص القرآن عبرة { لَقَدْ كَانَ فِي
قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى
وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } [يوسف : 111] عندما نتأمل
سنجد في هذه القصة التي نتحدث عنها أموراً تتصل بالأوضاع العامة، وأخرى
تخصنا نحن بذواتنا، ما واجبنا وكيف نفعله وبأي أسلوب نؤديه؟
قصة من قصص
كثيرة وردت في القرآن الكريم لموسى عليه السلام، وقد أشرت من قبل أن قصص
موسى عليه السلام وقصص بني إسرائيل على وجه الخصوص كثيرة في القرآن
الكريم؛ لما لها من عظة وعبرة ولما كان من تاريخ قديم وواقع معاصر،
ومستقبل قادم لهذه الأمة مع بني إسرائيل على وجه الخصوص.
قصة اشتهرت
بالعنوان الرئيس للجزء الذي يتعلق بنا، قصة مؤمن آل فرعون، لكننا نسوقها
من مبدئها في أطرافها الرئيسة، موسى كليم الله عز وجل عليه الصلاة
والسلام، وفرعون أكفر أهل الأرض، مدعي الربوبية كما جاء في هذه القصة من
قوله عز وجل {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ
مُّبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ
كَذَّابٌ } [غافر : 23- 24]، ومبعث هذه القصة مع غيرها من القصص لرسولنا
صلى الله عليه وسلم تسلية له، وتسرية عنه، وتفريجاً لما يلقاه من أذى
المعتدين، وإعراض الجاحدين، ولسان الحال يقص عليه قصص إخوانه من الأنبياء
والمرسلين، مع الكافرين والطغاة الجاحدين، وما انتهى به الأمر إلى نصر
المؤمنين.
وفي هذا أيضاً بالنسبة إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم،
الذين عانوا معه ما عانوا من ظروف عصيبة وعدوان آثم، فكأنها أيضاً تبشرهم
بأن أتباع موسى عليه السلام، الذين آمنوا به واتبعوه وكانوا معه على نهج
الله عز وجل آلت أحوالهم إلى الخير في الدنيا، وإلى النجاة المأمولة
المرجوة في الآخرة.
وفي هذا أيضاً تهديد ووعيد للذين تصدوا لسيد الخلق
صلى الله عليه وسلم، والآية بمجملها وغيرها مما سيأتي ليست منفصلة عن
واقعنا، ليست مجرد قصة حدثت في الزمان القديم مع رسول عظيم وقومه من
المعرضين بل هي تحكي واقعنا اليوم، فهي بشارة لنا معاشر المؤمنين المتبعين
لرسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام، وهي تهديد ووعيد لكل من يعرض أو
يتعرض لهذا الدين وأهله ولكل من يتعرض للمؤمنين بالله المعتصمين بنهجه
الداعين إليه في كل حال وفي كل زمان.
ولماذا ذكر هذا التفصيل في قوله
عز وجل { إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ } ؟ وهل كان موسى
مبعوثاً لهؤلاء فحسب؟ كان مبعوثاً لأهل زمانه أو لقومه في زمانه على أقل
تقدير، لما ذكر هؤلاء؟ لأنهم رؤوس المواجهة، ولأنهم حراب العدوان، ولما
ذكر الاثنان على وجه الخصوص؟ فإن القرآن قد قص لنا المواجهات المتعددة بين
موسى عليه السلام وفرعون عليه لعنة الله؟ فرعون كما قال القرطبي رحمه
الله: "خصمهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى عليه السلام كان
عليهم، ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه
الله معهم، لأنهم مشتركون في هذا".
وهنا مرة أخرى وبعبارة واضحة صريحة،
الملك سلطان وقوة، والوزارة كيد ودهاء، والمال تسخير وشراء، هذه هي
العناصر المؤثرة في واقع كل المجتمعات، فإن كانت خيراً كانت أبواباً
للرحمة مشرعة، وكانت أمطاراً للخير نازلة، وإن كانت على غير ذلك كما نرى
في كثير من واقع أعداء أمتنا، ومن بين أبناء أمتنا، فإننا نرى كيف يسخر
المال على سبيل المثال اليوم ليطعن في كتاب الله عز وجل، أو لينا من عظمة
وشرف ومقام رسولنا صلى الله عليه وسلم، أو ليجوس خلال تشريعاتنا وأحكامنا
وقيمنا وأخلاقنا، وللأسف أن هذا المال قد يكون مبذولاً من جيوبنا ومن داخل
بلادنا الإسلامية هنا أو هناك.
ومن هنا نرى أن الصورة جلية واضحة،
وهؤلاء جميعاً قالوا لموسى عليه السلام: { سَاحِرٌ كَذَّابٌ } ولم يكتفوا
بواحدة من الصفتين عن الأخرى لأن لكل منهما دلالة خاصة.
السحر: يشتمل
على التخييل والتلبيس والتضليل، يظهر صورة حسنة وشيئاً مقنعاً وحقيقته على
غير ذلك. ولهذا وصفوه بالسحر، حتى إن قال قائل: إن حجته ظاهرة، وإن معجزته
رأيناها، قيل: لا تغتروا فإنه سحر.
وأما الكذب: فإنه الركن الأعظم لهدم
بنيان النبوة، لأن كل رسول يخبر قومه ويخبر الناس أنه مرسل من عند الله،
وأنه مسدد بوحي الله، فعندما يطعن والعياذ بالله بالكذب فإن الأمر ينهار
كله. وهكذا نجد هذه الومضة الأولى في قصتنا هذه.
ثم تأتي الومضة
الثانية وإن شئنا أن نقول الفاصل الثاني: { فَلَمَّا جَاءهُم } أي موسى
عليه السلام { بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء
الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ } ثم قال جل وعلا: {
وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } [غافر : 25]، والقسم
الأول يعطينا ثلاثة أمور مهمة في بناء الدين وإيضاح النبوة { فَلَمَّا
جَاءهُم } أي موسى عليه السلام { بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا ..
}[غافر : 25] مقالتهم، فالذي أتى به الأنبياء والرسل والذي بين أيدينا
اليوم من كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم: أولاً: هو حقٌ لا مرية
ولا شك مطلقاً في أنه يخالطه شيء من الباطل ما قل من ذلك وما كثر مطلقاً،
ثم ماذا؟ هو من عند الله عز وجل، ليس من عند الرسل والأنبياء وإنما هم
مبلغون عن الله عز وجل، فهو حق وهو من عند الله والمبلغون له رسل الله
وأنبياءه، فأي شيء أعظم من هذا جلاءً ووضوحاً، فهل يرد الشك علينا اليوم
مع كل هذه الوسائل الإعلامية التي تصب الشك والريبة في أصول الدين وقواعده
وعقائده وأخلاقه ومبادئه؟ كما أصبحنا اليوم نسمع أموراً عجيبة لا أقول
أنها تتعلق بسلوكيات لبعض المسلمين هنا أو هناك، بل تتعلق بأصول ثابتة
بآيات قطعية مقروءة باقية إلى قيام الساعة، وبما ثبت كذلك عن رسولنا صلى
الله عليه وسلم من الثوابت والفرائض والقواطع الجلية التي لا مجال لتغيرها
أو تغييرها.
ومن هنا نجد هذا أمراً يعظم يقيننا ويقوي إيماننا، ويطمئن
قلوبنا، ويجعلنا على بينة من أمرنا، فهو حق من عند الله، وجاء به رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
كيف نقبل قولاً
غير هذا الذي جاءنا به رسولنا من عند ربنا وهو حق لا باطل معه؟ هذه مسألة
مهمة جلتها الآيات القرآنية وكشفتها المواقف النبوية، وأظهرتها المسيرة
التاريخية لأئمة الأمة الإسلامية { قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن
رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ
الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ }
[الأنعام : 57] لا يمكن أن يتطرق الشك إلى مؤمن يعرف الحق والنبي والمصدر
الرباني الذي جاء به أو جاء منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم
ماذا؟ أقام موسى حجته، وأظهر معجزته، وكان الأمر كما يقال كالشمس في رابعة
النهار، لا يشك فيها إلا أعمى ليس له بصر ولا بصيرة، ماذا قالوا؟ بماذا
أجابوا على الحجة؟ بماذا ردوا على المعجزة؟ { اقْتُلُوا أَبْنَاء
الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا} أي ابقوا على الحياة {
نِسَاءهُمْ } [غافر : 25] هذا هو الحل؟ نعم، على ما يدل؟ على ضعف في
الحجة، وعلى انعدام في المبدأ، وعلى تصدع وفناء للمعتقد والقيمة، إن الحجة
تقرع بالحجة، وإن البرهان يواجه بالبرهان، فكيف تتحول مواجهة الحجة
والبيان، إلى مواجهة السيف والسنان، إلى القتل، أين هو العنف؟ وأين هو أمر
الإرهاب؟ أفي كلمة تقال باللسان، أم في قتل يوجه بالسلاح الذي نراه يصب
على رأس بني الإنسان، وأكثره في بلاد الإسلام.
ثم أقول: قال جل وعلا في
آخر الآية { وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } ولم يقل وما
كيدهم، والحديث عنهم وعن قصتهم، لأن المسألة مضطردة، ولأن القاعدة عامة،
والكيد بالمناسبة هو التدبير والمكر والتخطيط، هو جمع لما تفرق من القوة،
وهو نوع من الرصد والإرصاد، ومع كل هذا قال جل وعلا إنه: { فِي ضَلَالٍ }
أي النهاية تنتهي إلى هذه النتيجة لا يكون فيه نفع، وهذا الذي وقع لفرعون
عليه لعنة الله مع موسى عليه السلام، كان يقتل أبناء بني إسرائيل فجاء
الله عز وجل بحكمته البالغة، وقدرته المعجزة بموسى إلى بيت فرعون، ليتربى
في بيته، وعلى عينه، وبالقرب منه، وهو الذي يسلمه، وهو الذي يحفظه، بينما
يجوس زبانيته خلال الديار يبحثون عن كل امرأة حامل فيرصدونها ويرصدون باب
بيتها حتى يأتوا عند ولادتها فإن وجدوا غلاماً قتلوه، وإن وجدوا بنتاً
تركوها، وموسى في قصر فرعون، أين الكيد البشري أمام قدر الله عز وجل وقوته
سبحانه وتعالى؟ كيد الكافرين مجتمعين في القديم والحديث، بالقوة والدهاء
والمكر والسياسة، بالاقتصاد والمال والقوة، بالإعلام والغزو والثقافة، كله
في ضلال، وإلا لو كان الأمر على غير ذلك فإن ما صب على أمتنا لا أقول من
الحروب والقتل لكان كافياً لفنائها، بل أقول إنما صب عليها من الشبهات
والإغراءات التي تدعو إلى الشهوات والشبهات كان كافياً أن لا يبقى مسلم
على حقيقة إسلامه وإيمانه، ومع ذلك نرى الناس يفيئون بحمد الله إلى دين
الله، ويرجعون إلى الإصرار والتمسك بكتاب الله والاعتصام والاقتداء برسول
الله صلى الله عليه وسلم، أين كيدهم؟ أين كل هذه الأموال التي بذلوها؟ {
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن
سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً
ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }
[الأنفال : 36] هل أنتم في هذا أو من هذا في شك أيها المؤمنون؟ لكننا
نحتاج إلى اليقظة والوعي، ونحتاج إلى الحيوية والإيمان، ونحتاج إلى الحركة
والعمل، ولكن القرآن يبشرنا ويقرر هذه الحقائق في كل زمان ومكان { وَمَا
كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ } قال القرطبي في تفسيره: "أي في
هلاك وخسران وأن الناس لا يمتنعون من الإيمان إن فعل بهم مثل ذلك، فكيده
يذهب باطلاً"
هذا أيها الأخوة مع توفر الكيد والقوة والمال، مع توفر
فرعون صاحب الملك والسلطان، وهامان صاحب التدبير والكيد، وقارون صاحب
المال والثورة، وكل هذا الكيد المجتمع لم يفلح شيئاً، وبقي من بقي على
إيمانه، وليست القصة هنا فحسب، بل النمرود الذي قال ما قال عندما أعيته
الحجة وعندما جاءت المناظرة تقيم عليه الحجة مرة بعد مرة لجأ إلى القتل،
وفي حوار إبراهيم عليه السلام مع قومه في آخر الأمر قالوا: اقتلوه، وعندما
رأينا قصة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل عند
مسلم في قصة أصحاب الأخدود أيضاً، بقي الأمر كذلك حتى قال: "بسم الله رب
الغلام" فقتل الغلام وآمن الناس، خُدّت الأخاديد، أشعلت النيران، قذف فيها
الناس، فما رجع أحد عن إيمانه.
إنها قضية العقيدة والإيمان، يبشرنا
الله عز وجل بها، وأن كل كيد بشري كفري مآله عندما نتشبث بإيماننا ونعتصم
بنهج ربنا وهدي رسولنا لا يمكن أن ينال من شيئا بإذن الله عز وجل.
وهذا
كذلك هو منطق الضعف الذي تمثله اليوم كذلك القوى العظمى أو القوة العظمى،
كانت تنادي بحقوق الإنسان، وتدعو إلى الديمقراطية، وتراعي كذا وكذا، كل
هذا زال عنه لباسه وظهر عارياً بأقبح ما يكون، فماذا كان الجواب؟ { اقتلوا
} وجاءت الجيوش المجددة بالسلاح هنا وهناك تعلن أنها تريد أن تحقق ما
تزعمه من المبادئ لا بالحجة والبرهان، لا بالدعوة والتسويق والغزو الفكري
والتغيير الثقافي، بل بالقوة العسكرية، لماذا؟ لأنها ذات قضية الطغيان،
وذات وجه الكفر، وذات الطبيعة التي لا يمكن أن تثبت أمام الحق وبرهانه
مطلقاً.
وهنا ننتقل إلى صورة ثالثة عجيبة وفريدة كأنما نسمعها اليوم في
نشرة إخبارية قبل هذا الموعد الذي نحن فيه أو بعده { وَقَالَ فِرْعَوْنُ
ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن
يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ } [غافر
: 26] عجباً! من المتحدث؟ فرعون ينصح ويعرض ويدفع الفساد عن قومه وأمته،
لكننا نراها كما يقولون مثل الثوب المقطع الذي لا يرقع، أتعرفون لماذا؟
إنه يبدأ بالقتل وفي آخر الأمر ينهى عن الفساد، أي هذا القول الذي لا
يقوله إلا خرق مجنون، نراه اليوم ونسمعه، بدأ { ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى
} ولماذا؟ ليحافظ على دين الناس ويمنع عنهم الفساد، كيف يجتمعان؟ كيف
يجتمع أعظم الفساد بالقتل مع إرادة الفساد المدعى المزعوم؟ ثم ماذا هنا
كما يذكر أهل التفسير كابن عطية رحمه الله؟ قال كلاماً جميلاً، قال: "لما
بهرت آيات موسى فرعون، أنهد ركنه، واضطربت معتقدات أصحابه وأصبح في موضع
ضعيف، قال ولهذا دليلان، الأول: أنه قال: { ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى }
قال: وليس هذا من ألفاظ الجبابرة المتمكنين من إنفاذ أوامرهم" كأن فرعون
الآن مضطرب، كان من المتوقع من فرعون بكل قوته أن يقول: سأقتل موسى ولماذا
يقول: { ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى }؟ كأن أحداً يمنعه، لا! لقد رأى من
حوله متزعزعون، نور الإيمان، قوة الحجة والبرهان، المعجزة الظاهرة للعيان،
كأنما موسى قد زعزعهم فيما هم عليه وهو ضعيف متهالك، ومن هنا أراد فرعون
أن يقول قولاً يستجلب به آراء من حوله، ويحشد تأييده لأنه كأنما قد خاف أن
لا يوافقوه، وأن لا يكونوا معه، بل قد قال بعض أهل العلم وذكر ذلك بعض
المفسرين: "إن بعضهم خاف من قتل موسى" مع أنهم كانوا على كفر لكنهم كانوا
عندهم من الوثنية ما يعتقدون به أن القتل للمُحق قد يلحق به أذى بهم، فهنا
تزعزعت من قوة الحق في الجولة الأولى أركان الباطل، حتى وإن حشد القوى
فإنه يعلم أن الناس لا يتفقون معه، وأن القوى ليست مقتنعة بهدفه، وأن
الحشود وأن الإعلام وأن الاقتصاد بكل قوته لا يحقق القناعة الحقيقية، وإن
كان بعض أهل التفسير نحى إلى منحى آخر، ورأى أيضا صورة تعبر أيضاً عنها
دلالة الآيات وليست ببعيدة، إن هذا من طغيان فرعون، أنه بدلاً من أنه كان
يقتل أبناء بني إسرائيل أراد الآن أن يقتل موسى عليه السلام الذي لجا في
بيته لأنه يعتبر أن موسى عليه السلام هو القيادة المؤثرة، هو الأصل الذي
حصل به ما حصل بالنسبة لفرعون مع قومه، والعجيب أنه قال: إنه يخشى أن يبدل
دينهم، أي الذي هم عليه، وما هو دينهم الذي هم عليه؟ هو الخضوع والذل
لفرعون، وهذا هو الذي يحرص عليه طغاة كل عصر في كل زمن، إنهم لا يريدون
للأمة ديناً إلا ديناً يعظمهم، ويجعل لهم ألوهية فرعونية مصغرة بصورة أو
بأخرى، وسيأتينا قول فرعون في هذه القصة في صور مختلفة، ولذلك جاء هذا
القول بيناً واضحاً، وهذا كما قال بعض أهل التفسير أمر لطيف: شر الخلق
يكون واعظاً وناصحاً، والحق كما قال الله جل وعلا: { فَاسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ }.
ومن هنا نجد ما قاله بعض أهل التفسير: "قد
يكون بعض أصحاب موسى خاف من قتله" وبعض أهل التفسير أكد هذا المعنى
المضطرد لهذه الكلمة التي قالها فرعون، وهو خوفه أن يبدل دينه أو أن يظهر
في الأرض الفساد، أليست هي كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي
كل كلمة باطل كالح في وجه كل حق جميل؟ هكذا قال الله عز وجل وبين، فأي شيء
قال موسى عليه السلام في هذا الموقف؟ وعند هذا الإعلان { وَقَالَ مُوسَى
إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ
بِيَوْمِ الْحِسَابِ } [غافر : 27]، وهنا ثلاثة أوجه عظيمة في هذه
المقالة:
وجه هو إيمان وثبات: قاله في قوله: { عُذْتُ بِرَبِّي
وَرَبِّكُم } الآن هو أمام القوة العظمى، تهدد بأن تقتل، لا يملك هو من
أسباب المادة في المواجهة شيئاً مذكوراً، فيقول { عُذْتُ بِرَبِّي
وَرَبِّكُم } التجأت إلى الله عز وجل، هذا إيمانه في قلبه، هذا يقينه
ومعتقده، ومن هنا لم تضطرب أقدامه، لم ترتعد أوصاله، لم تزغ عيناه، لم يقف
شعره، لم تتراجع همته وعزيمته؛ لأنه ثابت بتثبيت الله عز وجل.
ثم أمر
آخر: وهو دعوة وإرشاد للذين كانوا حاضرين لأنه قال: { عُذْتُ بِرَبِّي
وَرَبِّكُم } فهو يشركهم معه، ويجذبهم إليه، وما يزال يواصل تشكيكهم فيما
هم عليه، كيف تعظمون فرعون وتجعلونه رباً وأنتم ترونه أمامكم بشراً {
إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم }
ثم كذلك وجه ثالث: وهو تهديد
ووعيد، وقوة في بيان الحق { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
كَذَّابٌ } [غافر : 28] والله سبحانه وتعالى بين هنا في مقالة موسى فيما
هدد به فرعون عندما قال: { مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ
الْحِسَابِ} وهذا تهديد لفرعون ومن معه، ومن هنا ذكر ابن كثير في هذا
الموطن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في موجهة الكافرين المعتدين: (اللهم
إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم) (1) فالاستعاذة وقد
ذكرتها في الجمعة الماضية أمراً ليس هيناً، أمراً ليس عابراً أمراً عظيماً
إيمانياً ومؤثراً في واقع الناس لو أنهم قالوه بألسنتهم، واعتقدوه
بقلوبهم، وجعلوه محور حياة يقود حياتهم، ويكون سلاحهم ودرعهم وحصنهم في
مواجهة ما يلقون من العداء أو الإيذاء أو الابتلاء، هذه جولات وومضات في
مبدأ هذه القصة بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعنة الله، والواقع
يحكيها.
ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أتباع نبينا محمد صلى الله
عليه وسلم وننتفع بهذا الذي جاء في كتابه عن قصة رسوله الكليم عليه الصلاة
والسلام.
أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
أما بعد معاشر المؤمنين :
وإن القرآن منبع التقوى، وإن قصص القرآن معين صافي نتزود منه بمزيد من التقوى وقوة الصلة بالله عز وجل.
ولعلي
أشرع هنا شروعاً أولياً فيما يخصني ويخصكم إذ هذه القصة بين رسول نبي
كريم، وبين طاغية كافر لئيم، لكننا ندخل الآن في هذه القصة إلى رجل مثلي
ومثلكم إلى واحد من أتباع الأنبياء، إلى فرد من أفراد الأمة، إلى ناطق
بالحق وداع للخير { وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ
يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ }
[غافر : 28] هنا هذا المدخل الذي بدأ به { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن
يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ
وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم
بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
كَذَّابٌ } [غافر : 28] هذا هو أنا وأنت، وإن لم يكن بيننا اليوم نبي
فإننا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن بيننا اليوم فرعون ولا
أبو جهل، فعندنا فراعين وآباء جهل كثر، فأين كلمة الحق؟ وأين أسلوبها
وبلاغتها؟ وأين حضورها في الموقع المناسب؟ هذه ومضات كثيرة وكثيرة أشرع
فيها لعلها تشوقنا إلى ما بعدها، ولعلها تقودنا إلى معرفة أمر مهم وهو أن
لنا دوراً مناطاً بنا وواجباً مرتبطاً بأعناقنا، ودوائر نحن فيها مسئولون
وقادرون على أن نفعل شيئاً مما يرضي ربنا ومما ينصر ديننا، وهذا الذي ذكره
أهل العلم والمفسرون، فإن هذه المقالة التي ابتدأ بها هذا الرجل المؤمن
تكشف عن أمور كثيرة:
أولها: الحكمة والصبر: كان يكتم إيمانه لم يعلنه
من قبل، حكمة وصبر، كان يترقب بها مزيداً من القدرة على التأثير والتغيير،
فليست الحماسة المندفعة الهوجاء هي التي تدل على الغيرة الإيمانية والحمية
الإسلامية، فقد جاء عمر الفاروق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما
أراد أن يمضي صلح الحديبية، بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم،
هو أغير الناس على دين الله، وهو أعز المؤمنين بالله، وهو الذي لا يرض أن
يكون لشيء من الدين دنية مطلقاً، لكنه هو الحكيم الخبير العالم البصير،
الذي كان مسدداً بالوحي، وكان يرقب مصلحة الدين والأمة، جاء عمر بحماسه
المتقد، بإيمانه الملتهب، بغيرته العظيمة، بعزته العظيمة: "يا رسول الله
ألسنا على الحق، قال: بلى، أليسوا على الباطل، قال: بلى، فعلى ما نعطي
الدنية في ديننا، لم نقبل هذا الصلح الذي ظاهره كان يرى لبعض المؤمنين أنه
دنية وذل، فقالها رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات عظيمة: (إني رسول
الله وإنه لن يضيعني) ما زال عمر كأنما ما في نفسه بقيت منه بقية، مضى بها
إلى أبو بكر يردد القول، فأي شيء قال الصديق أبو بكر لنرى المقامات
العظيمة قال: إلزم غرزه فإنه رسول الله" (2) صلى الله عليه وسلم.
هذه
صورة رجل يعيش وسط هذه البيئة الكفرية الفرعونية عند فرعون، لأنه قال: {
رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ } قال بعض المفسرين: هو ابن عمه،
وقال بعضهم: من القبط. لكنه على كل الأحوال كان موجوداً في هذه البيئة
معروفاً فيها، مسموعاً له، هذا الذي كتم إيمانه وكظمه، وورّى كما ورّى أهل
الإيمان في مكة، إنما كان يبتغي مصلحة الدين والأمة، لا مجرد حفظ الروح
والمكتسبات، فلا ينبغي لنا أن نميل هنا أو هناك، فإن نهج الله واضح وسديد.
ثم
جاء معنى آخر وهو معنى الدعوة الإسلامية { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن
يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } أين إنسانيتكم؟ أين رحمتكم؟ أين منطقكم؟ لماذا
تقتلون رجلاً لمجرد أن يقول: { رَبِّيَ اللَّهُ } وهنا بالمناسبة يضمنها
دعوة كأنه يقول لهم: أنتم تقولون فرعون والعياذ بالله هو الله، إذا كنتم
اتخذتم فرعون إلهاً فقد اتخذ موسى إلهاً آخر، فلماذا تنكرون عليه ما
تبيحونه لأنفسكم، مع أنه حق وأنتم باطل.
ثم يأتي أيضاً مرة أخرى بدعوة
منهجية { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ
جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ } هل قضيتكم معه حجة وبرهان،
انتبهوا! هذه دعوة منهجية استخدمها مصعب بن عمير عندما جاءه ابن خيثمة
بسعد بن معاذ، فلما جاء مصعب بن عمير أراد أن يطردهم وأن يبعدهم، فقال: أو
غير ذلك، قال: وما معك، قال: اجلس فاسمع، فإن وجدت خيراً قبلت، وإن وجدت
غير ذلك رحلنا عنك، قال: أنصفت يا أخ العرب، كلام منطقي، نسمع هل هناك
حجة؟ هل هناك صواب؟ هل هناك خير؟ هل هناك حق وعدل؟ نبحث؟ وهنا قال لهم ذلك.
ثم
دعوة عقلية. أين عقولكم أيها الناس؟ إن كان كاذباً فهل سيضركم شيء؟ لن
يضرهم، لكن إن كان صادقاً وعاديتموه فستكون لكم عاقبة وخيمة هنا وعذاب في
الآخرة، لذا زعزعهم وضعضعهم واستمالهم وقربهم، وشككهم فيما هم عليه، فكان
لسان حق وقول حق في مكان عظيم لكنه كان حكيماً، لم يكن مندفعاً، ولم يكن
عاطفياً، بل كان منهجياً وكان عقلياً، وكان كذلك مصلحاً صالحاً، ولنا معه
عندما نرى هذا المعنى بداية دورنا، وكيف نمارسه، وهذا فيه كثير وكثير فيما
يأتي من آيات هذه القصة.
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي رسوله صلى الله عليه وسلم متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tagged.com/profile.html
mae_8408
القلم اللامع
القلم اللامع
avatar

عدد المساهمات : 862
نقاط : 1392
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/07/2009
الموقع : mae_8408@yahoo.com
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : بكالريوس تربيه

مُساهمةموضوع: رد: مؤمن ال فرعون   الجمعة سبتمبر 25, 2009 5:25 pm

نبع القرآن ري الظمآن،
وهداية القرآن إرشاد الحيران، وقصص القرآن عبرة لكل زمان ومكان، شرعنا في
الجمعة الماضية في قصة مؤمن آل فرعون، واستغرقنا الحديث عن بدء القصة فيما
بين موسى عليه السلام، وفرعون عليه لعنة الله، وقلنا من بعد إن الحديث عن
مؤمن آل فرعون حديث يمسنا جميعاً، يخصني ويخصك، يتعلق بدوري ودورك، ينتصب
مثالاً وقدوة لي ولك، إنه فرد في أمة كان فيها رسول داع إلى الله عز وجل،
يمثل نموذج المؤمن المنافح عن دينه، المدافع عن رسوله، الذي يدعو الناس
إلى الخير، ويرجو لهم النجاة، ويمحضهم النصح، فلنمضي مع هذا المؤمن لنرى
ونقارن بين قوله وفعله وأثره ودوره، وبين حالنا الذي نريد أن نغيره إلى
الأفضل، كم نحسن الحديث في النقد وتحميل المسئولية للآخرين؟ وكم نقصر
ونفرط في كشف عوار أنفسنا؟ وتقصيرنا؟ وما يلحق بذلك من خلل في أمورنا؟ لعل
ذلك فيه ما يعيننا { وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ
يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ
ْ} [غافر : 28] والرجولة هنا بالمعنى المعنوي لها ظلال مهمة، الرجولة أن
يكون للمرء شجاعة قلب وثبات موقف، وجرأة حق، وإقدام بطولة إذا جد الجد،
وإذا اقتضى الحال
إذا القوم قالوا من فتى خلت == أني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد
كان
يكتم إيمانه، لكن لما تجلى الصراع بين فرعون الطاغي الباغي، وبين موسى
النبي الداعي؛ تحركت غيرة الإيمان، وتحركت شجاعة وحمية الإيمان لتقول
كلمتها، ولتقف موقفها.
وهكذا يجب على كل مؤمن كما كان الوصف العظيم
لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، كان لا يغضب لنفسه فإذا انتهكت محارم الله
لم يقم لغضبه قائمة صلى الله عليه وسلم، هذا الذي ينبغي أن نتنبه له.
اليوم
تثور حميتنا إذا اعتدي على أشخاصنا، إذا أخذت أموالنا، إذا أصيبت مصالحنا،
أما إذا كان العداء على ديننا، وإذا كان الإجرام في حق أمتنا فهل تثور
حميتنا؟ وهل تغار نفوسنا؟ وهل تهتم وتغتم قلوبنا؟ ذلك ما ينبغي أن نلمحه
في هذا الموقف العظيم { وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ }
وهاهنا سمة أخرى مهمة أشرت إليها فيما مضى، إنه اختراق وانتصار إيماني رغم
ضعف الحيلة وقلة القوة، فرعون كان الأقوى مادياً، الأكثر أعواناً، الأوسع
سلطاناً، الأظهر طغياناً لكنه اخترق في داخله، وهذا الاختراق لم يكن
مؤمناً واحداً من آل فرعون أو من قومه أو من جلسائه على اختلاف بين
المفسرين، بل كان فيما هو أعظم من ذلك، امرأة فرعون، زوجه كانت مؤمنة،
وهذا واحد من آله، والقبطي الذي ذكر في القصة الأخرى، ذكر بعض أهل العلم
أنه كان مؤمناً فجاء إلى موسى ليقول له: { إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ
بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } [القصص :
20] ورابعة في عقر داره أيضاً وهي ماشطة ابنة فرعون، روى أحمد في مسنده
والطبراني في معجمه في قصة الإسراء والمعراج، أن النبي صلى الله عليه وسلم
في صحبته لجبريل شم رائحة طيبة فسأل عنها جبريل، فقال: هذه رائحة ماشطة
ابنة فرعون وأولادها، فسأل النبي عن القصة فقال جبريل: ماشطة ابنة فرعون
تمشط فيسقط منها ذلك المشط، فقالت: باسم الله، فقالت البنت: تعنين أبي،
فقالت: لا، ربي ورب أبيك الله" اختراق في داخل قصر فرعون، هنا انتصار الحق
بالدعوة، انتصار الإيمان بقوة الحجة، ليس بالرهبة ولا بالسلطة { لاَ
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } [البقرة : 256] فقالت: "أخبر به أبي، قالت: نعم،
فجاء بها فرعون العظيم الطاغي، القوي الباغي، قال: ما تقولين، قالت: ربي
وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس أن تحمى -أي أذاب فيها النحاس وجعل فيها
النار، ثم أراد أن يستخدم الأولوهية الفرعونية البشرية الذليلة الضعيفة
التي ليست لها حجة، وليس عندها قدرة إلا هذا البغي والطغيان والعدوان-
فقالت: لي إليك حاجة، قال: ما حاجتك؟ قالت: إذا مت أن تجمعوا عظامي وعظام
أبنائي فتكون سوياً، قال: لك ذلك حق علينا، فقذفوا بأبنائها واحداً تلو
الآخر، وكان منهم رضيع صغير، فكأنها ترددت قليلاً فأنطقه الله وقال: يا
أمة اقتحمي في النار، فلعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت" (1)
الحديث من رواية ابن عباس وفيه ذكر الذين تكلموا في المهد.
هكذا معاشر
الأخوة، ليس بالضرورة أن ننظر إلى المعركة في عنصرها المادي أن هناك من
طغى أو بغى أو قتل أو سفك أو احتل، فإنه ضعيف عاجز، ولذا استخدم القوة،
وما يزال إسلامنا اليوم يخترق صفوف أعداءنا، ويأخذ من أبنائهم، بل من
كبرائهم وعظمائهم من يذعنون للحق، وتنشرح صدورهم للإسلام، وتمتلئ قلوبهم
بحقائق الإيمان، وفي وصف بيئة الكفر، وفي مجتمع عداء للإسلام يظهر كل يوم
من يشهر إيمانه وإسلامه.
ومن لطائف ما اطلعت عليه في الأسابيع الماضية
أن ابنة لوزير داخلية في دولة أوربية أشهرت إسلامها، ونحن نعلم ما يلقاه
المسلمون اليوم من بعض التضييق الذي في هذه البلاد من وزارات الداخلية على
وجه الخصوص، فمن عقر الدار خرجت ابنة مؤمنة لتقول: "إن الحجاب الذي قد
تحاربونه، والحرية التي قد تصادرونها والإسلام الذي تواجهونه قد آمنت به،
وعلمت أنه الحق، وأشهره وأظهره بين أظهركم جميعاً من غير تردد ولا خوف"
وقد
أشرت لكم من قبل عن الإحصاءات التي نشرت في الموسوعة المسيحية العالمية
التي ذكرت أن أعداد المسلمين خلال قرن مضى زادت بنسبة 7% من إجمالي سكان
العالم، وأن نسبة المسلمين ازدادت من 13% إلى 19% وشيئاً، وهل هذا بجهدنا؟
كم قصرنا وفرطنا؟ لكننا نقول: انظروا إلى وجوه النصر في هذه المعاني كما
اخترق فرعون في عمق داره وبيته.
قال ابن عطية عن هذا المؤمن –مؤمن آل
فرعون-: "شرفه الله بالذكر وخلد ثناءه في الأمم" وها نحن اليوم نتحدث عنه،
كم بيننا وبينه من الأعصر والزمان؟ لكنني أسألكم وأسأل نفسي، وجميعكم يمر
بخاطركم هذا؟ ما اسم هذا الرجل؟ لما وقد خلد ذكره لم يكتب اسمه في كتاب
الله؟ لننتبه إلى أمرين اثنين مهمين:
الأمر الأول: العبرة بالجوهر، باللب، لا بالمظهر والشكل، لا يهمنا إن كان سعيد بن سعد أو سعد بن محمد أو غير ذلك.
والدرس
الثاني الأعظم والأكثر أهمية: أن نتربى على الإخلاص لله، والتجرد عن حظوظ
النفس وظهورها واشتهارها إلى مصلحة الدين والأمة، ونحن اليوم إذا كتبتنا
سطراً أردنا أن يقال: إننا خدمنا الدين، وإننا فعلنا وفعلنا، وهذا رجل
تتلى قصته إلى يوم القيامة، ما ذكر له اسم، ويعجبني مقالة للفاروق عمر،
عندما بلغه من سعد برسالة جاء بها رسول "إن الله قد نصر أهل الإسلام"
أبشرك بنصر الله لأهل الإسلام أي في معركة القادسية، وفي رسالته: ""ذهب
فلان وفلان من الناس ممن لا تعلمهم والله بهم عالم كانوا يدوون بالليل
بالقرآن كدوي النحل"
وحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في الصحيح:
(طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه بزمام في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن
كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في السقاة، إن
استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع) (2) لا يهمه مكانه، لا يهمه اسمه، لا
يهمه شرفه وعظمته يهمه دينه وأمته ورسالته، يوم نتجرد لهذا المقصد سيكون
حالنا على غير حالنا، الذي نلفت فيه الأنظار ونستجلب فيه الأضواء ليقال
فلان فعل، وفلان فعل، وما فعل شيئاً، وأي شيء فعله أي أحد منا بجانب ما
فعله الرسل والأنبياء، والدعاة الصالحون من أتباعهم الذين باعوا أرواحهم
وقدموها فداء دينهم، وجعلوا نحورهم وصدورهم دروعاً لرسلهم وأنبياءهم، كما
فعل الأصحاب رضوان الله عليهم مع سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
صور
كثيرة يمكن أن ننتبه لها { وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ
} [غافر : 28] وهنا أيضاً مسألة مهمة في المقابلة، هو مؤمن وهو من آل
فرعون، وآل فرعون كان يمثلهم فرعون كفراً وطغياناً، فهل كان مع آله؟ أو
كان مع إيمانه؟ ها هي القضية واضحة متجددة في كل زمان ومكان، إنما ينحاز
المؤمن في موقفه ومنهجه وحبه وولائه بدينه ومعتقده قبل كل شيء، ويكون
مقدماً على كل شيء لا لميل وتقديم وتفضيل لآل ولا لنسب ولا لسبب إلا ما
يكون من دين الله، ذلك الذي ميز الجيل الأول بل الذي يميز كل جيل يرتبط
بالعقيدة والإيمان، يوم افترق أصحاب النسب الواحد فكان أبو لهب عم النبي
صلى الله عليه وسلم ملعوناً في القرآن مخلداً في النار، وكان سلمان
الفارسي البعيد من آل البيت على ما قيل في الحديث من صحة وضعف، صور كثيرة
ينبغي أن نتبه لها.
هل قلوبنا ونفوسنا وأرواحنا ومواقفنا وبذلنا وجهدنا
وصلتنا وقطيعتنا مرتبطة بديننا وعقيدتنا وإسلامنا وإيماننا وأمتنا
ودعوتنا؟ أم أننا ننحاز إلى ذواتنا وإلى أسرنا وإلى أنسابنا وإلى ديارنا
حتى صارت بيننا مناطقية وعصبية وطنية وغير ذلك، وأصبحنا لا نمثل الصورة
التي أرادها لنا ديننا والتي صورها لنا رسولنا بأننا أمة واحدة لا يخطئ
النظر فيها كل الفروق من هذه الأجناس أو الأعراق أو اللغات؛ لأن فيها جامع
أعظم، وهو إيمانها الموحد، وإسلامها المجمع، وولاءها الذي يربط بينها،
وهذه قضية مهمة تظهر هنا.
{وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ } وكتمان الإيمان ليس عيبا إذا كان
لمصلحة، ومن هنا أظهره عندما كان الإظهار هو اللازم والواجب {
أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } وهنا مواقف شتى:
كلمة
{ رَبِّيَ اللَّهُ } إنها ليست كلمة لسان، إنها منهج حياة، إنها خفقة قلب
ومشاعر نفس، وخواطر عقل، وكلمات لسان، وأحوال إنسان يتغير كلية بهذا
الإيمان، ولذا كانت هذه الكلمة هي الفارق العظيم الذي فرق بين أهل الإيمان
وأهل الكفران.
ولذا بين الله سبحانه وتعالى ذلك أيضاً عندما قال في شأن
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ
بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } [الحج : 40]
وهكذا ينبغي أن نقولها بقلوبنا بأحوالنا بكل حياتنا { ربنا الله } لا نخشى
إلا إياه، ولا نرجو إلا إياه، ولا نتوكل إلا عليه، ولا نثق إلا به، ولا
ننيب إلا إليه، ولا يكون لنا ضر ولا نفع إلا منه سبحانه وتعالى يقين جازم
تنصبغ به الحياة كلها، وحينئذ نستطيع أن نكون متحققين يوم ننطق بقولنا {
ربنا الله } وهكذا كان مؤمن آل فرعون، عندما يقول لهم: إن موسى عليه
الصلاة والسلام إنما جاء بهذه الحقيقة الكبرى {ربنا الله} ليس ربكم فرعون
هذا البشر الضعيف الهزيل الذي جعل الله عز وجل منه عبرة للمعتبرين، يوم
أغرقه الله عز وجل فقال في اللحظات الأخيرة { آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ
إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ } [يونس : 90] لكنه لم ينفعه إيمانه إذ لم يكن في الوقت
الذي كان فيه متاحاً ومبسوطاً له أن يرى هذه الدلائل وأن يؤمن بها.
{
أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } وهكذا كان النبي صلى
الله عليه وسلم، عادته قريش وعادته قبائل العرب لماذا؟ لأنه قال: {ربي
الله} ومنذ اليوم الأول عندما جاء إلى خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
وأرضاها يخبرها بقصة الوحي، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل فقالها قولة عالم
بالكتب السابقة وقصص الأنبياء، قالها: "ليتني أكون فيها جذعاً عندما يخرجك
قومك" -فتعجب النبي ولم يكن له علم بالحال والمآل إذ ذاك- (أو مخرجي هم)
-فقالها كلمة ماضية لسنة حاضرة- "ما أتى رجل قومه بمثل ما أتيت به إلا
أخرجوه وعادوه" (3) هكذا كان المبدأ أن الكفر هو الذي يعادي، وهو الذي
يفجر، وهو الذي يخاصم.
ثم تركهم ومضى إلى المدينة فهل تركوه؟ لحقوه،
هذه طبيعة الكفر لأنه يرى أن في الإيمان بطلانه، وأن في الإيمان خسرانه،
وأن في الإيمان ووجوده نهايته المحتومة، فلذا يسعى إلى محاربة الإيمان
وأهله كما بين الحق سبحانه وتعالى كثيراً في هذا المجال.
وهنا أنتقل
بكم إلى صورة مهمة أرى أنها تؤكد لنا أن قضية القرآن وقصصه وآياته وطيدة
الصلة بنا، ليست تاريخاً يروى، ولا قصة تسرد أحداثها بل واقع يجب أن نعيشه؟
انظروا
إلى هذه الومضات أذكرها من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم لنرى حضور هذه
القصص في الحياة اليومية في الكلمات على الألسن في المواقف الواقعية.
روى
البخاري وغيره من حديث عروة بن الزبير أنه سأل عبد الله بن عمرو بن العاص:
"ما أشد ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، فقال عبد الله
رضي الله عنه: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فوضع رداءه في عنقه، فخنقه به خنقاً شديداً" (4) وفي رواية أخرى عند غير
البخاري، "أنهم غمزوا النبي وهو يطوف فقال لهم قولة حق أرهبتهم: (والله يا
معشر قريش لقد جئتكم بالذبح) فخافوه وخنسوا ثم أحسنوا له القول، فلما كان
اليوم الذي يليه قالوا: كيف فعلتم ذلك؟ فعندما أقبل النبي صلى الله عليه
وسلم ابتدروا إليه، هذا يخنقه وهذا يلببه بردائه، وهنا الموقف فجاء أبوبكر
رضي الله عنه حتى دفعه عنهم فقال: { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ
رَبِّيَ اللَّهُ َقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ }" (5) لقد
تمثل أبوبكر موقف مؤمن آل فرعون، وقال مقالته، ودافع عن نبيه، وفي راواية
أحمد في مسنده عن هذا الحديث فقام أبو بكر يقول وهو يبكي: { أَتَقْتُلُونَ
رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} لقد كان هذا الحديث مصوراً أن تلك
القصة البعيدة في أعماق التاريخ تتجدد في مواقف المؤمنين، لأنهم يعرفون
أنهم معنيون بها، وأن الإيمان واحد، وأن الرسالة والنبوة واحدة، وأن
الطغيان والعدوان واحد، ومنه لا بد أن يكون لهذا القرآن ولقصصه أثره
المباشر في حياة الواقعية العملية.
وأنقلكم إلى صفحة أخرى في هذه
القصة، تؤيد هذه العبرة وتزيدنا عبرة أخرى مهمة، ذكر ابن كثير في تاريخ
البداية والنهاية هذه القصة، قال: "خطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وأرضاه الناس، فقال لهم: من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين،
فقال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أشجع الناس أبو بكر
رضي الله عنه، قال: لما كان يوم بدر ابتنينا لرسول الله صلى الله عليه
وسلم عريشاً، فقال الناس: من يحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فما دنا
أحد إلا أبو بكر رضي الله عنه" ثم قال هذه القصة وذكر اجتماع الكافرين كما
في رواية البداية والنهاية قال علي رضي الله عنه: "فهذا يلببه وهذا يتلتله
-أي الكافرين والمشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم- فما دنا منه أحد إلا
أبو بكر، يدفع هذا عنه ويذود هذا عنه، ويقول: {أتقتلون رجلاً أن يقول ربي
الله} قال علي: ثم رد عليّ بردة كانت عليه، فبكى حتى ابتلت لحيته، ثم قال:
أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر، فسكت القوم، فقال علي رضي
الله عنه: فو الله لساعة من أبي بكر خير من ملئ الأرض من مؤمن آل فرعون،
ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه"
هكذا صورها علي بن أبي
طالب، فتباً لمن يشتم أبا بكر وغيره من الأصحاب، وهذا علي العظيم الجليل
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصور العظمة والمحبة هذا التصوير
الذي ينقلنا كما قلنا إلى الأثر الممتد، لقد وقف أبو بكر موقفه الذي كان
متأسياً أو ممثلاً أو مشبهاً أو مذكراً بموقف مؤمن آل فرعون، فهل انتهى
الأمر؟ كلا، لقد كان موقف أبو بكر موقف عبرة يجتره ويتذكره المسلمون، حتى
ذكره علي في ملأ من الناس، وقارن هذه المقارنة: "أمؤمن آل فرعون خير أم
أبو بكر ثم يقول: والله لساعة من أبي بكر خير من ملئ الأرض من مؤمن آل
فرعون" فأين مؤمن آل فرعون اليوم؟ وأين الذين يحظون ويذكرون ويشيدون؟ هذه
قضية تلامسنا، إنها ليست آيات تتلى ولا قصة تروى، إنها توجيه موجه وإرشاد
ينبه عليه حتى نغير أحوالنا، ويكون لنا هذا الانبعاث الإيماني الذي نقول
به الحق بالحكمة الهادية، وبالدعوة الراشدة حتى نبين للناس ونستنقذهم من
النار، فلئن كان الأمر ذوداً عن فرعون، ولئن موقف أبي بكر ذوداً عن النبي
صلى الله عليه وسلم فليس عندنا اليوم أنبياء لكنه ذوداً عنهم وعن ديانتهم
وعن رسالتهم، ودينهم واحد وعقيدتهم واحدة، فهكذا ينبغي أن يكون الأمر.
هذه
صور شتى تقول لنا: إن هذه القصة قصة مؤمن هو أنت وأنا وهذا وذاك، قصة مؤمن
نريد أن نعلمها لأبنائنا وصغارنا، وأن نحفظها مع تحفيظ الآيات في القلوب
والأرواح لتتجدد هذه المعاني، ولعلنا إذا مضينا وجدنا الكثير والكثير.
التفت
بعد هذا إلى الخطاب العقلي الذي أشرنا إليه من قبل إشارة سريعة {
أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم
بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ } [غافر : 28] ثم بين { وَإِن يَكُ
كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ
الَّذِي يَعِدُكُمْ } فكروا بعقولكم، وقد قال لهم من قبل ما هو عاطفي
عندما جعل نفسه منهم، وعندما دعاهم إلى تفكير مشوب بالعاطفة {
أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } أين قلوبكم؟ أين
عاطفتكم؟ أين عقولكم وفكركم؟ ثم يقرر الحقيقة { إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي
مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } قالوا: إن كان القول منه –أي من المؤمن-
فإنه يشير لهم: انظروا إلى العاقبة، وكونوا مع الحق، فإنه لا يمكن أن يصل
إلى غاية محمودة من كان مسرفاً متجاوزاً للحد كاذباً على الله عز وجل يعني
بذلك الدفاع عن موسى من غير أن يكون صريحاً وإنما منطقياً منهجياً، أو
يكون المقصود به فرعون، فإنه لم يهدى وهو مسرف تجاوز الحد في البغي
والعدوان وكذب على الله فادعى الألوهية والربوبية عياذاً بالله، ويكون
الكلام تقريراً من الله عز وجل.
والأمر هنا حكمة في الدعوة وبصر في
العرض، كما ينبغي أن يكون عليه المرء، فإنه وإن كان في حضرة فرعون، لم يسب
فرعون، ولم يشتمه, ولم يوجه حديثه إليه ابتداء، بل وجهه للناس، لا نريد أن
يكون حديثنا متوجه باتجاه واحد، فإن الأمانة والرسالة للخلق كلهم، وإن
الدعوة لصغيرهم وكبيرهم، وقد كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم تخلو به
المرأة العجوز في أي ناحية من المدينة شاءت، فتخبره بأمرها، فيقضي لها
حاجتها، وهو سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، والله أسأل أن يجدد فينا قصة
مؤمن آل فرعون، وأن يجعلنا من أهل الإيمان والغيرة والحمية والدعوة
والهداية والإرشاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية
أما بعد معاشر المؤمنين :
..
فاتقوا الله عز وجل الذي يهدي البصائر ويرشد الأبصار، والذي يغذي النفوس
والأرواح، والذي يطمئن القلوب ويسكّن النفوس بحمده وإذنه جل وعلا.
وقفة
أخيرة أقفها مع المقالة الثانية لمؤمن آل فرعون، عندما خاطب قومه مبيناً
لهم ومواصلاً في نصحهم { يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ
جَاءنَا } [غافر : 29] وهذه مسألة مهمة، عندما ناداهم، ناداهم مرة أخرى
بأنه منهم { يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ } قال ابن
عطية في تفسيره كلاماً نفيساً مهماً في شأن هذه الدعوة والتبصير بها، قال
رحمه الله: "استنزال لهم، ووعظ من جهة شهواتهم، وتحذير من زوال ترفهم،
ونصيحة لهم في أمر دنياهم" حتى الدعوة تقول للناس: إن أردتم رغد العيش
والطمأنينة فاعلموا أنها في التزام أمر الله، كما بينت آيات القرآن
الكثيرة { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً *
يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ
وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً }
[نوح: 10-12] وكما بينت الآيات الكثيرة أن تقوى الله سبب لحصول نعمته
وزيادتها بشكرها كما بينت الآيات الكثيرة.
ثم عندما يقول لهم { لَكُمُ
الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ } لا تغتروا بل اعتبروا، لا
تجحدوا بل اشكروا، أنتم اليوم في أرض مصر لكم الكلمة النافذة، والحكم
المطلق، هذا من فضل الله عليكم فاشكروا النعمة حتى لا يأتيكم ما يقابلها،
إذا حلت عليكم النقمة لأنكم كذّبتم رسول الله، وعاديتم رسول الله، وخالفتم
شريعة الله، من ينصرنا؟ يقول: إنه معهم { فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ
اللَّهِ إِنْ جَاءنَا } إن العقوبة الله إذا نزلت لا أن يقف في وجهها أحد،
أو أن تردها قوة مهما عظمت، ولذلك فرعون بكل قوته وبجنده أطبق عليه البحر
فغرق فيه، والعبر في هذا كثيرة.
ولذا ساق لهم القصص الكثيرة من الأمم
السابقة ليبين لهم المآل الخطير عندما يحذرهم من عقوبة الله عز وجل، قال:
فَمَن يَنصُرُنَا } قال السعدي في تفسيره: " وذلك من حسن دعوته إذ جعل
الأمر مشترك بينه وبينهم" وهذا أيضاً وجه كلامه هنا للقوم، ولم يوجه
لفرعون.. مرة أخرى لنقول انشروا الخير والدعوة لكل الناس، ولا تجعلوها
خاصة بأحد، وإن كان تخصيص العظماء فيه خير ونفع إلا أن الاقتصار عليه أو
المواجهة فيه مغبتها كبيرة، وربما يكون بعض آثارها السلبية أكثر، ولذا نزل
العتاب على رسولنا صلى الله عليه وسلم في شأن ابن أم مكتوم { عَبَسَ
وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى} [عبس :1- 2] لتبين الآيات أهمية
نشر الدعوة والبيان للحق لكل أحد حتى يكون الأمر على هذا النحو.
وهنا
قال فرعون: تدخل.. لماذا تدخل؟ لأنه يرى الكلام فيه نور وحجة وبيان يقنع
العقول، يستميل النفوس، فخاف وخشي، وتدخل حينئذ بقوة أكبر من التي سبقت،
قال: { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ
الرَّشَادِ }[غافر : 29] لا تسمعوا لهذا، لا تتأثروا به، أنا أنا.. هذا هو
الطغيان.
ثم يقول ابن عطية في تفسيره مرة أخرى مؤكداً هذا المعنى: "أن
هذه المقالة من دلائل ضعف فرعون في هذا الموقف، لأنه قال في هذا المعنى
كما يقول من لا تحكم له" كأنه يقول: يا أيها الناس انتبهوا، أنا الذي
أريكم ما أرى، وأنا الذي أهديكم، كأن الناس غير مقتنعين وهو يريد أن
يقنعهم، لأنه بدأ يرى وجه الحجة تهدم باطله، ومن جهة أخرى فإن هذا هو
المنهج الفرعوني المتكرر الذي يختزل الناس كلهم والأمم كلها في رأيه وقوله.
ومن
لطيف ما ذكره ابن كثير في تفسيره: "أن فرعون كان كاذباً في مقالتيه عندما
قال: { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى } أي ما أريكم إلا ما أراه لنفسي
وأنصح لكم لما بما أراه لنفسي، قال: وقد كذب، فإنه كان موقنا بصحة نبوة
موسى، وجحد بها وخالفها للناس، كما قال جل وعلا على لسان فرعون في القرآن
في خطاب موسى له: { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } [الإسراء : 102] أي أنك مؤمن بهذا،
وعندما قال: { وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } قال: وقد
كذب فإن الله يقول عندما بين قصته { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ }
[هود : 97] فكلا القولين كان كاذباً".
وهنا انتقل مؤمن آل فرعون إلى
مساحة واسعة لا يستطيع فرعون أن يناور فيها، ولعلنا نكمل هذا أو نكتفي
بهذا القدر الذي يتعلق بنا مباشرة في هذه القضية الإيمانية الدعوية التي
ننصر بها ديننا ونقوم بها بواجبنا تجاه رسالتنا.
نسأل الله عز وجل أن
يردنا جميعاً إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، وبسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم معتصمين، ولآثار السلف الصالح مقتفين ومتبعين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tagged.com/profile.html
fathytash
المشرف المميز
المشرف المميز
avatar

عدد المساهمات : 684
نقاط : 1285
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 12/09/2009
العمر : 30
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : biomedical engineer
المزاج : اتفرج عالاهلى واشمت فى الزمالكاويه

مُساهمةموضوع: رد: مؤمن ال فرعون   السبت سبتمبر 26, 2009 1:56 am

جزاك الله خيرااا فى نقلهااا يااامحمود وان كااانت طويله لكنهااااااااااااااااااا راائعه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mae_8408
القلم اللامع
القلم اللامع
avatar

عدد المساهمات : 862
نقاط : 1392
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/07/2009
الموقع : mae_8408@yahoo.com
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : بكالريوس تربيه

مُساهمةموضوع: رد: مؤمن ال فرعون   السبت سبتمبر 26, 2009 2:57 am

ولك المثل يافتحى

هى طوله بس انا حبت انقل الخطبه كامله عشان جميله ونستفيد منها كامله

وشكرا لتواجدك يافتحى

_________________
ما ندمت على سكوتي مرة ولكن ندمت على الكلام مرارا

الصديق المزيف كالعملة المزيفة لا تكشف إلا عند التعامل

الصداقة الوفاء.وأجمل ما في الوفاء الأمل

ليس المهم أن تحب المهم ماذا تحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tagged.com/profile.html
????
زائر



مُساهمةموضوع: رد: مؤمن ال فرعون   السبت سبتمبر 26, 2009 4:03 am

جزاك الله كل خير يامحمود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سما
المساعد المميز*
المساعد المميز*
avatar

عدد المساهمات : 1462
نقاط : 12012
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 24/06/2009
العمر : 29
الموقع : فى ارض الله وتحت سماؤه وبين خلقه
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : طالبه
المزاج : تمــــ الحمد لله ـــــام

مُساهمةموضوع: رد: مؤمن ال فرعون   الأحد سبتمبر 27, 2009 1:28 am


طويله اوى
بس ممتعه جدا يامحمود
جعله الله فى ميزان حسناتك

_________________
[b]صمتى لايعنى عدم معرفتى بالكلام
ولكن,,,,,مايدور حولى لايستحق الكلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
/b]



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
mae_8408
القلم اللامع
القلم اللامع
avatar

عدد المساهمات : 862
نقاط : 1392
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/07/2009
الموقع : mae_8408@yahoo.com
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : بكالريوس تربيه

مُساهمةموضوع: رد: مؤمن ال فرعون   الأحد سبتمبر 27, 2009 1:54 am

شكرا ليك يامحمد وسما على مروركم

وجزاكم الله خيرا

_________________
ما ندمت على سكوتي مرة ولكن ندمت على الكلام مرارا

الصديق المزيف كالعملة المزيفة لا تكشف إلا عند التعامل

الصداقة الوفاء.وأجمل ما في الوفاء الأمل

ليس المهم أن تحب المهم ماذا تحب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tagged.com/profile.html
ابراهيم المخترع
المراقب المميز
المراقب المميز


عدد المساهمات : 1069
نقاط : 1135
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 09/09/2009
العمر : 46
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : ملك الكهرباء
المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: رد: مؤمن ال فرعون   الأربعاء ديسمبر 22, 2010 4:49 am

صلى الله عليه وسلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مؤمن ال فرعون
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صوت شباب شبراملس :: المنتدى الدينى :: شخصيات وروايات اسلامية-
انتقل الى: